New on the blog: what languages people speak on Revospring, and when the world logs on. Read the post →

Anonymous Coward · 8d

ما حقيقة الحركة والزمان، وما الفرق بين الحركة التوسّطية والقطعية، وكيف ينتزع الزمان من الحركة بواسطة الآن السيّال؟

تحقيق حقيقة الحركة يقتضي أولًا أن يعلم أنَّها ليست أمرًا قائمًا بنفسه بحذاء المتحرّك، ولا موجودًا آخر ينضم إليه من خارج، بل هي نحوٌ مخصوص من تحقّق المتحرّك حال استكماله؛ وليس هذا التحقّق محضَ استعدادٍ وقوة، ولا تمام فعلٍ وكمال، بل هو توسطٌ بينهما. وهذا هو الذي عبّر عنه الحكماء بقولهم: الحركة كمالٌ أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة.

وبيان ذلك أنَّ الشيء إذا كان مستعدًّا لكمالٍ لم يحصل له بعد، كان ذلك الكمال له بالقوة؛ فإذا شرع في الخروج من القوة إلى الفعل لم يبق بالقوة المحضة، إذ حصل له بالفعل شيءٌ من الاستكمال، ولم يصر بالفعل التام من الجهة التي إليها الحركة، إذ لو تم له الفعل من تلك الجهة لبلغ غايته وانقضت حركته. فالمتحرّك، ما دام متحرّكًا، مستكملٌ بالفعل من حيث لا يزال بالقوة إلى الكمال الأخير؛ فهو بالفعل من جهة حصول الاستكمال، وبالقوة من جهة أن ما إليه الحركة لم يحصل له بعدُ حصولًا تامًّا.

ولهذا قُيّد حد الحركة بقولهم: من حيث هو بالقوة؛ إذ ليس كل كمالٍ لما بالقوة حركةً، وإنما الحركة كماله من الحيثية التي لا يزال معها بالقوة إلى ما إليه الحركة. فإذا تم ذلك الكمال وزالت القوة من تلك الحيثية، انتهت الحركة وحصلت الغاية.

وعلى هذا فلا ينبغي أن تجعل الحركة شيئًا ثالثًا قائمًا بحذاء القوة والفعل، وإنما المراد بكونها نحوًا ثالثًا متوسطًا بين الاستعداد والكمال أن حال المتحرّك فيها ليست حال القوة المحضة ولا حال الفعل التام؛ بل هي حال الاستكمال: قد خرج بها عن محض الاستعداد ولم يبلغ بها تمام الكمال. فالثالثية هنا ثالثيةٌ في نحو التحقّق والحال، لا إثبات موجودٍ ثالث مستقل بإزاء المستعد والكامل.

ومن ثَمَّ كانت الحركة متقومةً بالإضافة إلى ما منه الحركة، وما إليه الحركة، وما فيه الحركة؛ ولا سيما ما إليه الحركة، أعني الكمال الأخير الذي هو غايتها. فإن المتحرّك إنما يكون متحرّكًا ما دام مستكملًا ومتوجهًا إلى كمالٍ لم يحصل له على التمام؛ فلو لم يكن اللاحق ممكنًا له وحاصلًا بالقوة، ولم يكن السابق متوجهًا إليه، لم تتحقق الحركة أصلًا.

ويظهر هذا في الحركة المكانية، أعني الانتقال؛ فإن الانتقال ليس أمرًا مباينًا لحصول الجسم في المكان، بل هو استكماله في الأين من حيث توجهه من المبدأ إلى المنتهى. فإذا كان الجسم ساكنًا في المبدأ كان حصوله فيه بالفعل، وكان حصوله في المنتهى الذي يمكن انتقاله إليه بالقوة. فإذا شرع في الانتقال لم يكن حصوله بالنسبة إلى ما إليه الحركة استعدادًا محضًا، ولا حصولًا تامًّا بالفعل، بل كان مستكملًا في الأين من حيث لا يزال مستعدًّا للمنتهى. فإذا بلغه تم حصوله فيه بالفعل وانقضى الانتقال.

فإذا تقرر ذلك أمكن تحقيق الفرق بين الحركة التوسّطية والحركة القطعية؛ وليستا حركتين متباينتين في الخارج، بل هما اعتباران مختلفان للحركة الواحدة.

فأما الحركة التوسّطية فهي نفس استكمال المتحرّك فيما بين المبدأ والمنتهى، من حيث هو بالفعل في الاستكمال وبالقوة إلى الكمال الأخير؛ أي من حيث يكون المتحرّك بين الطرفين على وجه لا يستقر معه في حدٍّ من الحدود المتوسطة، بل يكون أبدًا متوجهًا من السابق إلى اللاحق. وهذه هي الحركة التي يكون لها التحقّق الخارجي على جهة الأولية؛ لأنها نفس حال المتحرّك ما دام مستكملًا، لا مجموعًا مؤلفًا من أجزاء بعضها منقضٍ وبعضها لم يحصل بعد.

وأما الحركة القطعية فهي الحركة من حيث يأخذها الذهن ممتدةً من المبدأ إلى المنتهى، فيجمع سابقها ولاحقها وما بينهما في اعتبارٍ واحد، ويلحظ استكمال المتحرّك بأسره كامتدادٍ متصل ذي تقدّم وتأخر. فليست القطعية حركةً أخرى وراء التوسّطية، وإنما هي الحركة نفسها مأخوذةً من حيث امتدادها المعتبر بين طرفيها.

ومن هنا كان الفرق بينهما أن التوسّطية مأخوذة بحسب نفس الاستكمال المتصل للمتحرّك، والقطعية مأخوذة بحسب الامتداد المنتزع من تعاقب ذلك الاستكمال بين المبدأ والمنتهى. ولذلك لا أجزاء للحركة التوسّطية بما هي توسّطية؛ لأنها ليست كلًّا مقداريًّا قارًّا مؤلفًا من أجزاء، وإنما يصح فرض الأجزاء إذا جمع الذهن السابق واللاحق في امتداد واحد، وذلك هو اعتبار الحركة القطعية.

ولا يلزم من كون هذا الجمع ذهنيًّا أن تكون الحركة القطعية وهمًا محضًا لا منشأ له في الخارج؛ فإن منشأ انتزاعها خارجي، وهو اتصال حركة المتحرّك وتعاقب أحواله وانتساب سابقها إلى لاحقها. وإنما الذي لا يتحقق في الخارج هو اجتماع تلك الأحوال المتعاقبة بالفعل في كلٍّ واحد قارّ؛ إذ السابق منها منقضٍ عند حصول اللاحق، واللاحق لم يكن حاصلًا عند حصول السابق.

Revospring uses Markdown for formatting

*italic text* for italic text

**bold text** for bold text

[link](https://example.com) for link