ما ھو المقصد الاصلی ببحث المعرف ومعنی کاسب التصورات، وما المقصود بتعلیمه، وھل فیه الانتقال من معلوم الی ما ھو المجھول؟
جزاکم اللہ
الصورة للتي عهدناها لمبحث المعرِّف ليست هي الصورة المعهودة عند المتقدمين، يعني تقسيم المنطق إلى تصورات وتصديقات والتصورات إلى مبادئ ( الكليات الخمس ) ومقاصد ( المعرِّف ) والتصديقات إلى مبادئ ( القضايا ) ومقاصد ( الحجة "القياس" ) لم يكن معهودا عند المتقدمين، بل هذه تقسيمة جاء بها الشيخ الرئيس ابن سينا وتحديدا في الإشارات، وإلا فهو في الشفاء يجري على ترتيب القدماء.
والقدماء كانوا يقسمون المنطق إلى أبواب أو كتب، هكذا:
كتاب إيساغوجي
كتاب المقولات
كتاب القضايا
كتاب القياس
كتاب البرهان
كتاب الجدل
كتاب الخطابة
كتاب الشعر
كتاب السفسطة.
وليس منها كتاب المعرِّف، وإنما يبحثون عن المعرِّف في البرهان.
والمقصد الأصلي لهذا المبحث هو كيفية اقتناص المجهولات التصورية وتنوع هذه الكيفية وأن بعضها أكمل من بعض، وشروط الحد التام ومتى لا يكون تاما، بل ما هو الحد أصلا، وما علاقته بالبرهان إلى غير ذلك.
وكونه كاسبا للتصورات أي: للتصورات المجهولة، يعني حقيقة المهايات التي يُجهَل كنهها.
وكل ما ذكرناه هو المقصود بتعليمه.
وهل فيه الانتقال من معلوم إلى مجهول؟
هذه مسألة خلافية، فابن رشد ومن تابعه كزاباريلا يرون أن الحد ليس آلة للعلم أصلا، وإنما هو برهان مخالف لترتيب البرهان الطبيعي.
ويمكن الاستضاءة بنصوص أرسطو كقوله: "ومِن ثَمَّ هناك بيانٌ واحد يتم إعطاؤه بنحويْن مختلفين بحيث يكون في أحدهما برهانا متّصلاً، وفي الآخر حدًّا."
وقوله: حدود الأشياء إما:
• مبادئ للبرهان،
• وإما مختلفة عن البرهان بالترتيب فقط،
• وإما نتائج بنحو ما للبرهان."
وقول ابن رشد: وأما أجزاء الحدود فإنما تعطي الحدود، لا على جهة ما يعطي المعلومُ التصور بنفسه المجهولَ التصور بنفسه، فإنّه ليس يوجد في التصوّر هذا النوع من الطريق؛ أعني أن يصير فيه من التصور المعلوم بنفسه إلى التصور المجهول بالطبع حتى يُستنبط المجهول منها من المعلوم، فإنه لو كان ذلك، لما احتيج في الحدود المجهولة بالطبع إلى استعمال القياس في استنباطها، وسنقف على هذه المعاني كلها - إن شاء الله - في المقالة الثانية.
وقول زاباريلا: قد برهنا باستفاضة فيما سبق أنَّ الحد ليس آلة للعلم [أي: للتعليم والتعلم].
وبما أنَّ المنطق لا ينظر إلا في الآلات المعلِّمة (الموصلة للعلم)، والحد ليس آلة من هذا القبيل، فقد بقي أنه لا يمكن للمنطقي أن ينظر فيه إلا من جهة كونه منسوبًا بنحو ما إلى الآلات المنطقية، أو مساهمًا بوجه ما في معرفتها أو في أدائها، فبما أنَّ المنطق صناعة آلية، فلا ينبغي له أن ينظر في شيء إلا في الآلات الموصلة للعلم البرهاني، أو في تلك الأمور التي تُنسب وتتعلق بنحو ما بآلات العلم البرهاني، وقد صرَّح أرسطو نفسه بهذا غاية التصريح، في كلٍّ من المقالة الأولى والثانية من «كتاب التحليلات الثانية»، حين قال: «إنَّ كل حد فإما هو مبدأ للبرهان، أو نتيجة لبرهان، أو هو برهان لا يَختلف عنه إلا في ترتيب الحدود»، فهو إذن لم يرد أن ينظر في أيِّ حد في هذه الكتب إلا من جهة تعلقه بالبرهان، وهذا يُستفاد بوضوح من قراءة كلتا المقالتين، ففي آخر الفصل الأول من المقالة الثانية، حينما شرع أرسطو في تحقيق القول في الحد، قصد أن يبين - من جملة ما يبين - كيف يتعلّق الحد بالبرهان، وبعد ذلك - عند التلخيص في النص رقم 47 - ذكر أنه قد علَّم الكيفية التي يُنسب بها الحد إلى البرهان.
أما ما هي هذه النسبة، فسوف نفهمها بسهولة متى نظرنا في طبيعة كلٍّ من الآلة المنطقية والحد، فإنَّ الآلة المنطقية هي تدرُّج وانتقالٌ فكريٌّ من هذا إلى ذاك، أي: من المعلوم إلى المجهول، أما الحد فأمر بسيط غير منقسم، ويخلو من كل انتقال فكري، فنسبته إذن إلى الآلة المنطقية كنسبة النقطة إلى الخط، والطرف غير المنقسم إلى الشيء الذي هو طرف له، ففي الخط يمكننا ملاحظة أجزاء وانتقال من جزء لآخر، أما النقطة فهي غير منقسمة ولا أجزاء لها، وهي إما مبدأ (بداية) للخط وإما منتهى (غاية) له، وهكذا يجب القول إنَّ الحد هو إما مبدأ للطرق المنطقية وإما غاية لها، فهو المبدأ حينما يكون معلومًا، وهو الغاية حينما يكون مجهولًا ويُبحث عنه بالآلات المنطقية، إذ ليس البحث عما هو الشيء (الماهية) سوى تطلُّب لحده، وكيف يكون كل ذلك، سيصير بيِّنًا متى نظرنا في أنواع الحدود واحدًا واحدًا، وأوضحنا علاقة كل واحد منها بالبرهان وبالطرق المنطقية.
وقوله: فمع أنَّ البرهان والحد هما في الحقيقة (الواقع) شيء واحد، إلا أنَّهما يتمايزان بحسب الصورة المنطقية، فإنَّ الحد يخلو من أي انتقال فكري ومن أيّ قضية [حُكمية]، في حين أنَّ البرهان فيه قضية وانتقال فكري معًا، وبما أنَّ الشيء لا يكون آلة منطقية ما لم تكن له هذه الصورة المنطقية، أي «الاستنباط» - الذي يُقال له منهج يترقى من كذا إلى كذا - لزم أن يكون البرهان آلة منطقية ومنهجًا، وألا يُقال للحد إنَّه آلة ولا منهج، بل «نهاية المنهج»، تمامًا كما أنَّ النقطة نهاية الخط، وكما أن سكون الأشياء الثقيلة والخفيفة في أحيازها هو نهاية حركتها إلى تلك الأحياز.
فالبرهان هو ضربٌ من «حركة الفهم» التي يمكننا أن نلحظ فيها ثلاثة أمور: موضوعًا واحدًا، وضدين:
أحدهما «مبدأ الحركة» (ما منه الحركة)
والآخر «منتهاها» (ما إليه الحركة)،
أما الحد فهو «تصور بسيط» للماهية، مع سكون، وبلا أيّ حركة للنفس، ومن أجل تحصيل هذا السكون يبني كل المبرهنين براهينهم.
وقد أشار أرسطو إلى هذا كلّه.اهـ
فبراهينهم جلية ورأيهم سديد وبالاعتقاد حقيق، ولكن ينقصني مزيد تأمل في المسألة حتى أحكم فيها بشيء.
Revospring uses Markdown for formatting
*italic text* for italic text
**bold text** for bold text
[link](https://example.com) for link