قرأت جواب الداماد على معضلة الجذر الأصم، ولم أفهم، فما معنى سنخ الفردية وخصوص الفردية أصلًا التي يبني عليها لحل؟
المراد بسنخ الفردية الجهة التي بها يكون الشيء فردًا من طبيعة عامة، وبخصوص الفردية الجهة التي بها يتعين ذلك الفرد دون غيره، فزيد مثلًا إنَّما يكون فردًا من الإنسان من حيث تحققت فيه الطبيعة الإنسانية، لا من حيث اسمه أو لونه أو طوله أو سائر خصوصياته، وإن كانت هذه الخصوصيات مجتمعة فيه في الوجود الخارجي، فكون زيد فردًا من الإنسان اعتبار، وكونه هذا الفرد المتعين اعتبار آخر، وليس اختلاف الاعتبارين موجبًا لتعدد الموجود في الخارج، وإنَّما للعقل أن يلحظ الطبيعة المشتركة من غير أن يدخل في لحاظها ما يخص أفرادها، ومن هنا قرر الميرداماد أنَّ الحكم الوارد على الطبيعة العامة إنَّما يسري إلى أفرادها باعتبار سنخ فرديتها، لا باعتبار خصوصياتها.
ومعضلة الجذر الأصم -كما تعلم- أن يقول القائل: كل كلامي في هذه الساعة كاذب، مع افتراض أنَّه لم يتكلم في تلك الساعة بغير هذه القضية، فإن كانت صادقة لزم أن تكون كاذبة، لأنَّها نفسها فرد من أفراد كلامه المحكوم عليه بالكذب، وإن كانت كاذبة لزم أن تكون صادقة، لأنَّ كذب الحكم بأنَّ جميع كلامه كاذب، مع انحصار كلامه في هذه القضية، يستلزم انتفاء الكذب عنها، فيلزم من صدقها كذبها، ومن كذبها صدقها، مع أنَّ الصدق والكذب لا يجتمعان في نسبة حكمية واحدة من جهة واحدة.
والقضية المذكورة إنَّما تدخل تحت موضوعها، وهو الكلام الصادر من المتكلم في تلك الساعة، من حيث إنَّها فرد من أفراد الكلام، لا من حيث إنَّها هذه القضية المخصوصة التي حُمِل فيها الكذب على جميع كلامه، فإنَّ كونها فردًا من الكلام لا يتوقف على خصوص محمولها، إذ لو حمل المتكلم على كلامه محمولًا آخر، مع بقاء العبارة كلامًا صادرًا منه في الوقت نفسه، لم تخرج بذلك عن كونها فردًا من كلامه، فكون القضية كلامًا أمر، وكونها قضية مخصوصة محمولها الكذب أمر آخر، والأول هو المعتبر في اندراجها تحت الموضوع، والثاني من الخصوصيات التي تتعين بها تلك القضية دون غيرها.
وليس المراد بعزل النظر عن خصوص المحمول حذفه من القضية حتى تصير مجرد موضوع لا يقبل الصدق والكذب، وإنَّما المراد أنَّ دخول القضية تحت طبيعة الكلام يصح اعتباره من غير أن نجعل خصوص المحمول معيارًا لهذا الدخول، فالقضية واحدة بمجموع أجزائها، ولكن العقل يلحظها تارة من حيث إنَّها كلام صادر في ساعة معينة، وتارة من حيث إنَّها حكم مخصوص ينسب الكذب إلى جميع كلام المتكلم، والاعتبار الذي به تدخل تحت عنوان الكلام غير الاعتبار الذي به تتشخص بمحمول الكذب، وإن كان الاعتباران متعلقين بشيء واحد.
وعلى هذا يقرر الميرداماد أنَّ سريان الحكم بالكذب من عنوان الكلام إلى القضية إنَّما يكون باعتبار سنخ فرديتها للكلام، وأما استلزام صدق القضية لكذبها وكذبها لصدقها فإنَّما ينشأ من خصوص المحمول الذي تتعين به، فجهة سريان الحكم غير جهة نشوء الاستلزام المتقابل، ومن ثم يرى أنَّ تقرير المعضلة قد جمع بين اعتبارين مختلفين، ثم رتب على اجتماعهما لزوم التناقض، فليس مراده إنكار دخول القضية تحت موضوعها، وإنَّما منع الانتقال من هذا الدخول إلى التناقض من غير مراعاة اختلاف الجهة التي بها تكون فردًا من الكلام والجهة التي بها تتعين بمحمولها.
Revospring uses Markdown for formatting
*italic text* for italic text
**bold text** for bold text
[link](https://example.com) for link