Anonymous Coward · 7d

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسعد الله أوقاتكم. كثيرًا ما أرى الطلبة يستصعبون مبحث الموجهات للغاية، لدرجة تخصيص كتاب لدراسة المبحث لوحده مثل الرسالة المرضية، ولكني أرى أن هذا قد يعد خروجًا عن ضابط التعليم المنهجي وربما حشو لا طائل منه. فما رأيكم؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الذي يظهر لي أنَّ الاعتراض على كثرة التشقيق في باب الموجَّهات اعتراضٌ وجيهٌ إذا نُظِر إلى المنطق من جهة غايته، لا من جهة إمكان استقصاء مسائله على الإطلاق، فالمنطق آلةٌ للعلوم، وليس المقصود منه أن يستوعب الذهن كل صورة يمكن فرضها في القضايا والقياسات، وإنَّما المقصود أن يهذَّب النظر، ويصان الفكر من الخطأ، ويتهيَّأ الناظر لإقامة البرهان، فإذا صار بعض أبواب المنطق يتضخَّم حتى يستقل بنفسه عن هذه الغاية، ويستنفد من الطالب زمنًا وجهدًا لا يناسب ما يعود به على صناعة البرهان، جاز وصف هذا التوسع بأنَّه خروج عن الاعتدال وتطرّف.

ولا يعني ذلك أنَّ أصل مبحث الموجَّهات زائدٌ أو مستغنًى عنه، فإنَّ للجهة أثرًا حقيقيًّا في القضية والقياس، ولا سيما في العلم البرهاني، فالفرق بين الضروري والممكن والممتنع والمطلق ليس فرقًا لفظيًّا، بل يترتب عليه اختلافٌ في قوة الحكم وفي نوع النتيجة التي يمكن تحصيلها، ثم إنَّ مقدمات البرهان نفسها لا تفهم على وجهها من غير تصور صحيح للضرورة وما يتصل بها، إذ ليس كل صدق صالحًا لأن يكون مبدأً للعلم البرهاني، بل لا بُدَّ من التمييز بين ما يصدق ضرورةً وما يصدق اتفاقًا أو في وقت مخصوص أو على جهة الإمكان.

فالقدر الضروري من هذا الباب هو أن يعرف الطالب معنى الجهة، وأقسامها الأصلية، والفرق بين الضرورة والإمكان والامتناع والإطلاق، وأن يميِّز بين جهة القضية ومادتها، وأن يفهم كيف يدخل النفي على الجهة، وما الفرق بين نفي الضرورة وضرورة النفي، لأنَّ الخلط بين هذه المعاني يوقع في أغلاط حقيقية في الاستدلال، ويضاف إلى ذلك ما تمسُّ إليه الحاجة من أحكام التناقض والعكس في القضايا الموجَّهة، ومن القواعد الكبرى في اختلاط الجهات بالقياس، بحيث يعرف الطالب متى تكون النتيجة ضرورية، ومتى لا تتجاوز الإطلاق أو الإمكان.

أمَّا استقصاء جميع صور الاختلاط الممكنة، وتتبع فروعها في كل شكل وضرب وكمٍّ وكيف، ثم تفريع الأقسام على الأقسام حتى يتحول الباب إلى شبكة من الصور النادرة، فليس هذا مما تحتاج إليه صناعة البرهان، ويمكن للمنطقي المتخصص أن يبحثه من جهة الاستقصا، لكن لا يلزم من إمكان البحث فيه أن يكون من أركان المنهج العام، فثمة فرق بين ما يجوز للباحث أن يستقصيه وبين ما ينبغي للطالب أن يتعلمه حتى تحصل له ملكة المنطق.

والخلل في الإفراط في هذا الباب أنَّه قد يقلب ترتيب المقاصد، فقد يخرج الطالب حافظًا لعشرات صور القياسات الموجَّهة، وهو لم يحكم بعد شروط المقدمة البرهانية، ولا الذاتي والأولي، ولا الفرق بين البرهان اللمِّي والإنِّي، ولا كيفية ترتب العلم على المبادئ، وهذا تقديم للفرع على الأصل، وإعطاء لما هو دون الغاية من العناية أكثر مما يعطى للغاية نفسها.

ومن هنا فإنَّ استصعاب الطلبة للموجَّهات لا يكون وحده دليلًا على فساد المبحث، ولكنه قد يكون علامةً على أنَّ المادة عرضت بأكثر مما تقتضيه رتبتها التعليمية، فليس كل ما كثر تشقيقه عظيم المنفعة، ولا كل ما صعب تحصيله ينبغي أن يستوفى في المنهج، وإنَّما الميزان أن ينظر فيما تتوقف عليه الغاية، فيعتنى به، وما يبعد عنها ويقل وقوع الحاجة إليه، فيترك.

وأمَّا إفراد الموجَّهات برسالة أو كتاب، فلا اعتراض عليه من حيث هو تصنيف خاص، لأنَّ أبواب العلوم قد تفرد بالتصنيف لكثرة مسائلها أو لشدة إشكالها، وإنَّما الاعتراض إذا جُعِل هذا الاستقصاء شرطًا في إحكام المنطق أو مرحلةً لازمةً لكل طالب، فالتأليف الخاص شيء، وتحميل المنهج العام جميع ما في ذلك التأليف شيء آخر.

فالتحقيق عندي أنَّ الموجَّهات تُدرَّس بقدر ما يخدم البرهان ويمنع الغلط في الاستدلال، ثم يكتفى بذلك في التعليم العام، وما وراء هذا من الاستقصاءات الكثيرة والتفريعات الدقيقة يترك، وعلى هذا يصح أن يقال: الموجَّهات لازمةٌ في أصولها، مذمومةٌ إذا استُغرِق في فروعها حتى تزاحم المقصود الأعلى من المنطق، وهو إحكام صناعة البرهان.

Revospring uses Markdown for formatting

*italic text* for italic text

**bold text** for bold text

[link](https://example.com) for link