حياكم الله شيخنا، متى تُعتبر دلالة الاقتران في إثبات الحكم للمعطوف عليه؟
الله يحييك ويبقيك، الأصل أنَّ مجرَّد اقتران شيئين في الذكر، أو عطف أحدهما على الآخر، لا يقتضي اشتراكهما في جميع الأحكام، لأنَّ العطف قد يجمع بين شيئين في الكلام من غير أن يدل على أنَّ كل حكم ثبت لأحدهما يثبت للآخر، ومن ثمَّ كان مدار المسألة على معرفة الجهة التي وقع فيها العطف: أوقع الاشتراك في نفس الحكم، أم وقع مجرَّد الجمع في السياق؟
فإن كان المعطوف والمعطوف عليه داخلين تحت عامل واحد، ثبت الحكم لهما بدلالة التركيب نفسه، لا بدلالة الاقتران المختلف فيها، فإذا قيل: أكرم زيدًا وعمرًا، فالأمر بالإكرام متناول لهما معًا، لأنَّ الفعل عامل فيهما، وكذلك إذا قيل: حُرِّمت الميتة والدم ولحم الخنزير، فالتحريم شامل للجميع لدخولها تحت عامل واحد، فهذه الصورة من دلالة العطف على الاشتراك في حكم العامل، لا من دلالة الاقتران محل النزاع.
وكذلك إذا كان المعطوف ناقصًا لا يستقل بنفسه، وكان تمام معناه متوقفًا على ما تقدَّم، شارك المعطوف عليه في الحكم، فإذا قيل: هند طالق وزينب، لم يتم الكلام في زينب إلَّا بتقدير: وزينب طالق، فاشتراكهما هنا لازم من تركيب الكلام وافتقار المعطوف إلى ما قبله.
وإنَّما يقع النزاع الحقيقي إذا كان كل واحد من المذكورين مستقلًّا بمعناه، وثبت لأحدهما حكم، ثم أريد إثبات ذلك الحكم للآخر لمجرَّد اقترانه به، والتحقيق أنَّ الاقتران وحده لا يكفي لذلك، لأنَّ الأشياء قد تجتمع في سياق واحد مع اختلاف أحكامها، وليس حرف العطف موضوعًا للتسوية بين المتعاطفين في كل حكم، ولذلك إذا ثبت وجوب أحدهما أو تحريمه بدليل خاص، لم يثبت مثله للآخر لمجرَّد العطف، كما لا ينتقل شرط أحدهما أو سببه أو وصفه إلى الآخر بغير دليل.
غير أنَّ الاقتران قد يقوى إذا انضمت إليه قرينة تدل على أنَّ المتكلم قصد التسوية بين الطرفين في الحكم، ومن أقوى القرائن أن يكون السياق مسوقًا لبيان حكم واحد، ثم تُذكر تحته أفراد متعددة، كأن يكون الكلام في تعداد الواجبات أو المحرمات أو المستثنيات، فاشتراكها في الحكم حينئذ مستفاد من مجموع العطف ووحدة السياق والغرض، لا من مجرَّد الاقتران.
ويقوى ذلك أيضًا إذا كان التفريق بين المتعاطفين مخالفًا لظاهر نظم الكلام، مع اتحادهما في التركيب والمقام وعدم وجود قرينة على التفريق، أما إذا قامت قرينة على اختلافهما، أو استقل كل واحد منهما بكلامه وحكمه، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر لمجرَّد وجود العطف بينهما.
وإذا ثبت اشتراك المتعاطفين في علة الحكم، ثبت الحكم لهما من جهة العلة الجامعة، لا من جهة الاقتران، وكذلك إذا دل نص آخر أو إجماع أو قياس صحيح على التسوية بينهما، كان الحكم ثابتًا بذلك الدليل، وكان الاقتران مؤيدًا له لا منشئًا للحكم بنفسه.
وينبغي أيضًا التفريق بين دلالة الاقتران وبين رجوع القيود إلى المتعاطفات، فإذا تعقب المتعاطفات شرط أو استثناء أو وصف، فالبحث يكون في دلالة التركيب على رجوع ذلك القيد إلى الجميع أو إلى بعضهم، فإن دل اللفظ على رجوعه إلى الجميع عُمل بذلك، وإن استقل الكلام الأول ثم ورد القيد في كلام ثانٍ، لم يُسحب عليه لمجرَّد القرب أو العطف.
فالضابط الجامع أن يقال: إن كان الحكم أو العامل نفسه متناولًا للمعطوف والمعطوف عليه، اشتركا فيه بدلالة اللفظ، وإن كان أحدهما ناقصًا مفتقرًا إلى ما ثبت للآخر، اشتركا كذلك، أما إذا استقل كل واحد منهما، وكان الحكم ثابتًا لأحدهما خاصة، فلا ينتقل إلى الآخر بمجرَّد الاقتران، إلَّا أن تقوم قرينة تدل على إرادة التسوية.
وعليه، فدلالة الاقتران ليست دليلًا مستقلًّا على نقل الحكم من أحد المتعاطفين إلى الآخر، وإنَّما قد تكون قرينة تقوى بالسياق ووحدة الغرض وسائر الأدلة، وأدق ما يقال في المسألة: العطف يوجب الاشتراك فيما وقع العطف فيه، ولا يوجب الاشتراك في كل حكم ثبت لأحد المتعاطفين من جهة أخرى، فإن قامت قرينة على إرادة التسوية، ثبت الحكم بالقرينة مع الاقتران، لا بمجرَّد الاقتران.
Revospring uses Markdown for formatting
*italic text* for italic text
**bold text** for bold text
[link](https://example.com) for link