Anonymous Coward · 11d

غايتي أن أفهم أرسطو، فكيف السبيل؟

ليس المقصود من قراءة أرسطو أن تكون الغاية القصوى فهم الرجل لذاته، أو استيعاب ألفاظه ومذاهبه على جهة الحفظ والتقليد، فإنَّ هذا، وإن أفاد معرفةً بتاريخ الفكر، فليس هو المقصد الأعلى لطالب المنطق، وإنما ينبغي أن يكون النَّظر في كتب أرسطو وسائر ما يتصل بها وسيلةً إلى تحصيل الملكة البرهانية، أعني القدرة على إحكام التصورات، وتقويم الحدود والرسوم، وحسن ترتيب المقدمات، واستعمال القياس البرهاني استعمالًا صحيحًا يفضي إلى العلم البرهاني في مواضعه.

والخلل الذي يكثر وقوعه عند كثير من الدارسين هو أنَّهم يجعلون أرسطو غاية الطلب، بعد أن كان حقُّه أن يكون وسيلة للتحصيل، فيشتغلون بتقرير ألفاظه، وتتبع جزئيات مذهبه، والانتصار لشخصه أو الاعتراضِ عليه، من غير أن يثمر ذلك رسوخًا في صناعة المنطق، ولا تمكنًا من قوانين الفكر، ولا قدرةً على نقل البرهان إلى سائر العلوم التي يُطْلَب فيها العلم.

فالصواب أن يُجْعَل أرسطو طريقًا لا مقصدًا، ووسيلةً لا غاية؛ لأنَّ المطلوب في نهاية الأمر ليس الوقوف عند كلامه، بل الإفادة من منهجه في بناء العلم على أصوله البرهانية، فمن أحسن قراءة أرسطو على هذا الوجه، لم يكن همُّه أن يقول: قد فهمت أرسطو، بل أن يقول: قد ظفرت بالمنهج الذي تُضْبَط به المقدمات، وترتب به الأقيسة، ويُميَّز به بين ما هو برهاني وما هو جدلي أو خطابي أو سوفسطائي، وعندئذٍ يكون الانتفاع بأرسطو انتفاعًا صحيحًا، لأنَّه يصير سببًا في تحصيل آلة النَّظر.

Revospring uses Markdown for formatting

*italic text* for italic text

**bold text** for bold text

[link](https://example.com) for link