هل معنى الكون هو الوجود؟ وما معنى الكون الأولي والكون العرضي؟
نعم من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.
وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.
[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.
Revospring uses Markdown for formatting
*italic text* for italic text
**bold text** for bold text
[link](https://example.com) for link